ليس كل صراعٍ يبدأ من الخارج، وليس كل تدخلٍ خارجي هو صانع الأزمة من جذورها؛ فقد تنشأ الأزمات داخل الدول نتيجة ضعف مؤسساتها الرقابية وانقساماتها السياسية، ثم تجد القوى الإقليمية في هذه الأزمات فرصةً لتوسيع نفوذها وتحقيق مصالحها. وحين تتداخل هشاشة الداخل مع أطماع الخارج، تتحول الدولة من صاحبة القرار الأصيل في مصيرها إلى ساحة تتصارع فوق أرضها إرادات ومصالح الدول الأخرى ، بينما يتحمل شعبها التكلفة الأكبر.
الأزمة اليمنية
وتُمثّل الأزمة اليمنية نموذجًا واضحًا لهذا التداخل؛ إذ اجتمعت فيها الصراعات الداخلية على السلطة مع التنافس الإقليمي، في منطقة تكتسب أهمية استراتيجية استثنائية بفضل موقعها الجغرافي وإطلالتها على البحر الأحمر وخليج عدن، وقربها من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية. وهذه الأهمية لا تعني أن الموقع وحده هو صانع الأزمة، لكنها تجعل استقرار اليمن مسألة تتجاوز حدوده، وتمنح الصراع داخله أبعادًا إقليمية ودولية أوسع.
لم يظهر الحوثيون من عدم، ولم تبدأ الأزمة اليمنية بمجرد تدخل السعودية أو إيران؛ فقد سبقتها سنوات من الاضطراب السياسي، وتعثر الانتقال إلى نظام مستقر بعد أحداث عام 2011، وتفاقم الخلافات الداخلية على السلطة، حتى تمكن الحوثيون من السيطرة على صنعاء عام 2014، ثم اتسع الصراع مع تدخلات إقليمية مباشرة وغير مباشرة.
وهنا تكمن إحدى الحقائق الأساسية في فهم الأزمة: ضعف الدولة لا يظل مجرد مشكلة داخلية، بل قد يتحول إلى فرصة تستغلها القوى المنظمة والمسلحة لفرض نفوذها وتوسيع نطاق سيطرتها. وحين تعجز مؤسسات الدولة عن احتواء هذه الانقسامات، أو تفقد قدرتها على بسط سلطتها على كافة أراضيها، يصبح العدم السياسي مدخلًا لنشوء مراكز قوة تنازع الدولة في اختصاصاتها وقراراتها المستقله.
ومع توسع سيطرة الحوثيين، لم يعد الصراع محصورًا في خلاف يمني داخلي؛ بل أصبح جزءًا من تنافس إقليمي أوسع، تتقاطع فيه المصالح الأمنية والسياسية، وتُستخدم فيه أطراف محلية لتعزيز تأثيرات القوى الخارجية.
اما عن الدول فتتحرك في بيئة دولية لا تقوم قراراتها فيها على الاعتبارات الأخلاقية وحدها؛ فالأمن القومي وحماية الحدود والسكان يأتيان في مقدمة أولوياتها، ثم تتداخل معهما المصالح الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية. وقد تتوافق هذه المصالح مع مصالح دولة أخرى، وقد تتعارض معها، وفقًا للظروف وموازين القوى.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم جانب من دوافع التدخل السعودي في اليمن؛ فالسعودية دولة مجاورة، وترى في وجود قوة مسلحة ذات ارتباطات إقليمية على حدودها مصدرًا للتهديد الأمني. كما أن اتساع النفوذ الإيراني عبر دعم الحوثيين يثير مخاوف تتجاوز الوضع اليمني نفسه، لتصل إلى ميزان القوى في المنطقة.
وفي المقابل، أسهم الدعم الإيراني للحوثيين في إضفاء بُعد إقليمي على الصراع، وتعزيز قدرة طرف غاشم على الاستمرار في المواجهة. وهكذا أصبحت اليمن ساحة تتقاطع فيها حسابات أمنية ومصالح استراتيجية، بينما لم تكن الدولة اليمنية المنهكة في وضع يسمح لها بتحمل المزيد من تلك الضغوطات.
ولا يعني ذلك أن جميع دوافع الأطراف الخارجية واحدة، أو أن تدخلاتها متطابقة في طبيعتها ونتائجها؛ بل إن لكل دولة حساباتها الخاصة، وقد تتقاطع مصالحها مع مصلحة اليمن في بعض الجوانب، ثم تتعارض معها في جوانب أخرى.
لكن المعيار الأهم يظل هو أثر هذه التدخلات في قدرة اليمن على استعادة سيادته واستقراره. فليس كل تدخل يُقدَّم باعتباره دعمًا لدولة شقيقة أو يؤدي بالضرورة إلى تعزيز استقلالها، وليس كل تحرك تحكمه اعتبارات الأمن القومي يحقق نتائج أمنية مستدامة.
ومن الصعب أيضا الحديث عن استعادة الدولة اليمنية لسلطتها في ظل وجود قوة مسلحة تنازعها السيطرة، وتستطيع فرض إرادتها بالقوة. ومن هذا المنطلق، فإن مواجهة التهديد المسلح تمثل جانبًا أساسيًا من استعادة الدولة لقدرتها على حماية أراضيها وسكانها.
بخلاف أن الردع العسكري، مهما بلغت قوته، لا ينبغي أن يُختزل في فكرة القضاء على الخصم وحدها؛ فالمواجهة قد تُضعف القدرات العسكرية لجماعة مسلحة، لكنها لا تضمن بمفردها قيام دولة مستقرة أو انتهاء أسباب الصراع.
وهنا يجب التمييز بين إنهاء قدرة جماعة مسلحة على تهديد الدولة، وبين استهداف البشر لمجرد انتمائهم إليها. فالمواجهة الصحيحة تقتضي التعامل مع التهديد وفق القانون، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وحماية المدنيين، ومنع تجدد العنف، لا تحويل الصراع إلى دائرة مفتوحة من الانتقام.
كما أن الحل السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتكريس سلطة السلاح أو منح الجماعات المسلحة حقًا دائمًا في منازعة الدولة سيادتها. بل يجب أن يهدف إلى استعادة مؤسسات الدولة، وإقامة نظام سياسي قادر على استيعاب الخلافات الغير مشروعة، مع إخضاع القوة المسلحة لسلطة قانونية موحدة.
فالمطلوب ليس الاختيار بين المواجهة وإعادة البناء، وكأنهما طريقان متناقضان؛ بل التعامل مع التهديد القائم، بالتوازي مع معالجة الأسباب التي سمحت بظهوره، حتى لا يكون الانتصار العسكري مجرد هدنة وقتية تسبق أزمة جديدة.
وحين تتدخل قوى إقليمية في صراع داخلي، قد تتجاوز نتائج تدخلها حدود الهدف الذي أعلنته في البداية. فالدولة التي تدخل الحرب لحماية مصالحها قد تجد نفسها أمام صراع ممتد، بينما تتحول الدولة التي تدور الحرب على أرضها إلى الطرف الأكثر استنزافًا، والأقل قدرة على التحكم في مسار الأحداث.
وفي الحالة اليمنية، أدى تداخل الحرب الداخليه مع الصراع السعودي الإيراني إلى تعقيد المشهد، وزيادة صعوبة الوصول إلى تسوية مستقرة. فبدلًا من أن تنحصر الأزمة في معالجة الانقسامات اليمنية وإعادة بناء المؤسسات، أصبحت مرتبطة أيضًا بحسابات إقليمية أوسع.
ومن هنا، فإن تقليص التدخلات الخارجية يمثل خطوة ضرورية نحو استعادة الكيان اليمني المستقل. وينبغي أن تنسحب الأطراف الخارجية من إدارة الصراع العسكري والسياسي على الأراضي اليمنية، وأن تتوقف عن تقديم الدعم الذي يمكّن الجماعات المسلحة من مواصلة القتال، مع احترام السيادة اليمنية وحق شعبها في تقرير مصيره .
وإذا كانت السعودية وإيران تختلفان على النفوذ والأمن وموازين القوى، فإن استمرار هذا التنافس على حساب اليمن لا يقدم حلًا لأي منهما. فالأمن الحقيقي لا يتحقق بإضعاف دولة مجاورة إلى الحد الذي تصبح فيه عاجزة عن حماية نفسها، ولا بتحويل أراضيها إلى ميدان مفتوح لتصفية الحسابات الإقليمية.
كما أن منع تكرار مثل هذه الأزمات يتطلب قواعد دولية واضحة وفعالة تحد من تسليح الجماعات المسلحة وتمويلها ودعم أنشطتها غير المشروعة، وتضمن المساءلة عن الانتهاكات، بدلًا من ترك مصير الدول الضعيفة مرهون بمصالح القوى المتنافسة .
القضاء على جماعة مسلحة تشكل تهديد لدولة لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة؛ فقد تكون الجماعة قائمة نتيجةً لضعف الدولة وانقسامها. وإذا عولجت النتائج وأُهملت الأسباب، فقد ينشأ كيان مسلح آخر، يستغل نفس الثغرات، وربما يكون أكثر تنظيمًا وقدرة على التوسع.
ومن ثم، فإن اليمن يحتاج إلى مشروع متكامل لإعادة بناء ذاته، لا إلى مجرد استعادة السيطرة على أراضيه. ويبدأ هذا المشروع بإصلاح المؤسسات السياسية والأمنية والرقابية، وتعزيز سيادة القانون، ومعالجة الانقسامات الداخلية، وإيجاد نظام قادر على إدارة الخلافات دون أن تتحول إلى صراعات مسلحة.
كما يتطلب الأمر بناء مؤسسات أمنية ودفاعية متخصصه، وتطوير القدرة على رصد المخاطر مبكرًا، ووضع خطط بديلة لمواجهة الأزمات، والاستعداد للتهديدات المحتملة قبل أن تتفاقم. فالدولة التي لا تتحرك إلا بعد وقوع الخطر تظل أسيرة رد الفعل، أما الدولة التي تمتلك رؤية استراتيجية بعيدة المدى فتستطيع تقليل فرص المفاجأة، واحتواء التهديدات قبل أن تتحول إلى أزمه تهدد وجودها.
ولا يقل ذلك عن أهمية بناء قاعدة داخلية متماسكة، يشعر فيها المواطن بأن الدولة تمثله وتحمي حقوقه، وأن المؤسسات ليست أدوات في يد طرف سياسي بعينه. فالقوة العسكرية قد تحمي الحدود، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع ولاءً وطنيًا مستمر، أو أن تعالج الانقسامات التي تنهش المجتمع داخليا.
_ إن مستقبل اليمن لا يتوقف فقط على طبيعة المواجهة مع الحوثيين، بل على قدرة الدولة على تجاوز الظروف التي سمحت بنشوء الأزمة أصلًا. فالانتصار الذي لا تتبعه إصلاحات حقيقية قد يترك الباب مفتوحًا أمام تكرار نفس التجربة، بينما يمكن لبناء المؤسسات وترسيخ الاستقرار أن يحوّلا من الصراع بداية مرحلة جديدة.
كشفت المأساة اليمنية أن انهيار الدولة لا يحدث دائمًا بفعل قوة خارجية تتفوق عليها، بل قد يبدأ من الداخل حين تتآكل المؤسسات وتتسع الانقسامات، ثم تجد القوى الخارجية في هذا الضعف فرصة لتوسيع نفوذها. وعندئذ تتشابك الصراعات الداخلية مع المطامع الإقليمية، ويصبح إنهاء الصراع أكثر تعقيدًا من مجرد انتصار طرف على آخر.
ولذلك، فإن الطريق إلى استقرار اليمن يقوم على مسارات مترابطة: معالجة التهديدات المسلحة، واستعادة سلطة الدولة، وتقليل التدخلات الخارجية، وإصلاح المؤسسات، وبناء قدرة استراتيجية تمنع تكرار الأزمة. ولا يمكن لأي مسار من هذه المسارات أن يحقق غايته كاملة إذا عُزل عن المسارات الأخرى.
فاليمن لا يحتاج إلى أن تنتهي حربه فحسب، بل يحتاج إلى أن يمتلك من أسباب القوة ما يمنع اندلاع حرب جديدة، ومن تماسك المؤسسات ما يحول دون استغلال انقساماته، ومن الاستقلال السياسي ما يحرره من أن يكون ساحةً لصراع الآخرين.
فالدولة لا تستعيد قوتها بمجرد أن تهزم من ينازعها السلطه، وإنما حين تصبح قادرة على منع الظروف التي سمحت بظهوره، وحماية سيادتها من الداخل والخارج، وصناعة مستقبل لا تتحكم فيه الأزمات ولا تشكله مصالح الآخرين.














