لماذا يستحيل اعتقال نتنياهو في نيويورك رغم مذكرة التوقيف الدولية؟

فريق التحرير23 يوليو 2026
لماذا يستحيل اعتقال نتنياهو في نيويورك رغم مذكرة التوقيف الدولية؟

أثار إعلان رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني عن دراسته إمكانية اعتقال رئيس وزراء إسرائيل عند زيارته المدينة، جدلاً قانونياً واسعاً حول حدود صلاحيات المسؤولين المحليين الأميركيين في تنفيذ مذكرات التوقيف الدولية، قبل أن يعلن ممداني نفسه لاحقاً أنه لا يملك الصلاحية القانونية المستقلة لتنفيذ هذه الخطوة.

من أين بدأت القصة؟

أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي عام 2024 مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بتهم ارتكاب جرائم حرب خلال حرب غزة، فيما ترفض إسرائيل اختصاص المحكمة وتنفي هذه الاتهامات بالكامل. ووصف ممداني، المنتمي للحزب الديمقراطي، رئيس الوزراء الإسرائيلي في مقابلة مع “نيويورك تايمز” بأنه “مجرم حرب”، مضيفاً أن الإدارة القانونية للمدينة تدرس بجدية إمكانية تنفيذ المذكرة إذا زار نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر.

لكن هذا الموقف، الذي رافق ممداني منذ حملته الانتخابية لرئاسة البلدية قبل انتخابات الرابع من تشرين الثاني 2025، اصطدم سريعاً بجدار قانوني صلب أقرّ به ممداني نفسه في مقطع فيديو نشره مساء الثلاثاء، قائلاً بوضوح: “من الواضح أننا لا نملك الصلاحية القانونية المستقلة لتنفيذ هذه المذكرة”. ولم يوضح ممداني في تصريحه كيفية توصله إلى هذا الاستنتاج، تاركاً الباب مفتوحاً أمام خبراء القانون لتفسير الأسباب الحقيقية وراء هذا التراجع المفاجئ عن موقفه السابق.

الأسباب القانونية التي تمنع التنفيذ

  • الولايات المتحدة ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، ما يعني عدم وجود آلية قانونية أميركية لتنفيذ مذكراتها
  • قانون “حماية أفراد الخدمة الأميركية” الصادر عام 2002 يحظر صراحة تسليم أي شخص إلى المحكمة الجنائية الدولية بغض النظر عن جنسيته
  • رؤساء الحكومات الذين لا يزالون في مناصبهم يتمتعون عموماً بالحصانة من الاعتقال والملاحقة أمام المحاكم الأميركية
  • ممثلو الدول الأعضاء في الأمم المتحدة يتمتعون بحصانة خاصة أثناء تنقلهم لحضور اجتماعات المنظمة أو العودة منها

آراء الخبراء القانونيين

استند هذا التحليل إلى آراء خبراء قانونيين بارزين، إذ أوضح الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة هارفارد والمدعي العام السابق في المحكمة الجنائية الدولية ألكس وايتينغ أنه لا توجد آلية بموجب القانون الأميركي لتنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة، بينما أشارت الأستاذة في كلية كاردوزو للقانون ريبيكا إنغبر إلى أن الحصانة الممنوحة لرؤساء الحكومات الحاليين تبقى عائقاً أساسياً أمام أي إجراء من هذا النوع. وقد سبق لخبراء قانونيين مستقلين تحدثوا لوكالة “رويترز” أن أكدوا الاستنتاج ذاته، موضحين أن غياب عضوية واشنطن في المحكمة يجعل أي حديث عن اعتقال فعلي مجرد سيناريو نظري بحت.

هل يمكن تجاوز هذه العقبات مستقبلاً؟

بحسب وايتينغ، فإن السيناريو الوحيد الذي قد يسمح بتنفيذ مذكرة كهذه يتطلب خطوتين متتاليتين وصعبتين سياسياً:

  1. انضمام الولايات المتحدة رسمياً إلى المحكمة الجنائية الدولية
  2. إلغاء قانون حماية أفراد الخدمة الأميركية الذي يحظر التسليم للمحكمة

وحتى في حال تحقق هذين الشرطين، يبقى الاتفاق المبرم بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة، والذي يمنح الحصانة لممثلي المنظمة الدولية، عقبة إضافية يصعب تجاوزها بسهولة، ما يجعل مسار أي تنفيذ فعلي لمذكرة التوقيف بعيد المنال في المدى المنظور مهما تصاعد الضغط الشعبي أو الإعلامي حول القضية.

موقف واشنطن الرسمي من القضية

في خضم هذا الجدل القانوني، حسم بنيامين نتنياهو الجدل مؤقتاً بعد تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لن يُعتقل أثناء وجوده على الأراضي الأميركية، في موقف يعكس الدعم السياسي الأميركي المستمر لحكومة تل أبيب بصرف النظر عن أي إجراءات قضائية دولية معلّقة بحقها.

هذا التصريح الرئاسي المباشر أنهى عملياً أي احتمال لتصعيد قانوني محلي في نيويورك، وأظهر أن القرار النهائي في مثل هذه القضايا الحساسة يبقى بيد الإدارة الفيدرالية وليس المسؤولين المحليين مهما بلغت جرأة تصريحاتهم الإعلامية. ويرى محللون سياسيون أن تدخل ترامب المباشر والسريع في هذه القضية يعكس أيضاً رغبة واشنطن في تفادي أي سابقة قانونية قد تُستخدم مستقبلاً ضد مسؤولين أميركيين أنفسهم أمام محاكم دولية مماثلة.

لماذا تهم هذه القضية خارج حدود نيويورك؟

تتجاوز أهمية هذا الجدل حدود مدينة واحدة، إذ تضع على المحك مصداقية النظام القضائي الدولي بأكمله كلما تعلق الأمر بزعيم دولة تحظى بدعم قوة عظمى، وتفتح نقاشاً أوسع حول جدوى مذكرات التوقيف الصادرة عن محاكم دولية حين تصطدم بحصانات سياسية ودبلوماسية راسخة.

في الختام

بين مذكرة توقيف دولية صادرة منذ عام 2024 وتصريح رئاسي أميركي يقفل الملف مؤقتاً، تكشف هذه القضية حجم الفجوة بين القانون الدولي والتطبيق الفعلي على الأرض حين يتعلق الأمر بحلفاء واشنطن الاستراتيجيين. هل تتغير موازين هذا الملف إذا انضمت الولايات المتحدة يوماً إلى المحكمة الجنائية الدولية؟