لطالما ارتبطت صورة اليمن في المخيلة العالمية بتلك النبتة الخضراء التي يمضغها الرجال في مجالسهم الطويلة، لكن التطورات الأخيرة كشفت أن القات اليمني لم يعد حكراً على الرجال، بل تحول إلى ظاهرة نسائية تتفشى في المجالس الخاصة، وفي المقابل نجد أن أنواع القات في اثيوبيا بدأت هي الأخرى تأخذ أبعاداً اقتصادية واجتماعية جديدة تتجاوز الاستخدامات التقليدية المرتبطة بالذكر والعبادة لتصل إلى جيل الشباب الباحث عن اللهو والنشوة.
جدول المحتويات
تحولات “نواعم” اليمن: من بوكيه الورد إلى غصن القات
في مشهد غير مألوف على التقاليد اليمنية الصارمة، بدأت نبتة القات تأخذ مكان “باقة الورد” في الزيارات النسائية. فبعد أن كان تعاطي القات مقتصرًا على كبيرات السن وفي نطاق ضيق، كشفت الدراسات أن الفتيات بين سن 17 و26 عامًا أصبحن الأكثر إقبالاً على هذه العادة.
أسباب الهروب إلى “المقيل” النسائي
- الضغوط النفسية: الحرب والفقر المستمر منذ عقد من الزمان دفعا الكثيرات للبحث عن “مخدر” موضعي ينسيهن هموم الواقع.
- الندية والتقليد: الرغبة في محاكاة طقوس الرجال والشعور بالاستقلالية والتحرر.
- عامل الجذب الاجتماعي: تحولت مجالس القات إلى بيئات للتواصل الاجتماعي، حيث ترافق النبتة جلسات تدخين “الشيشة” والسجائر الإلكترونية.
تشير البروفيسورة نجاة صائم إلى أن غياب الدولة وتدهور الأوضاع الاقتصادية جعل من القات مأساة تتسع، حيث تضطر الأسر لإنفاق مبالغ طائلة على هذه النبتة في وقت تفتقر فيه لأدنى مقومات الحياة، مما يؤدي إلى تمزق النسيج الأسري وبروز مشكلات صحية مثل سرطان الأمعاء والتسمم الكبدي نتيجة المبيدات المستخدمة في زراعته.
إثيوبيا: القات كمورد اقتصادي وعادة روحية
على الضفة الأخرى من البحر الأحمر، في إثيوبيا، للقات تاريخ يمتد لأكثر من ألف عام. فبينما يربطه البعض بالفراعنة أو بالصالحين والأنبياء كعامل مساعد على “الذكر” والتهجد، تحول اليوم إلى ركيزة أساسية في اقتصاد الدولة.
خريطة المزاج في أقاليم إثيوبيا
تتعدد المسميات والجودة بناءً على منطقة الزراعة، ومن أشهر تلك الأصناف:
- أبو مسمار: أحد الأنواع الفاخرة التي يطلبها الأثرياء والتجار.
- البلجا: الصنف الأكثر رواجًا نظراً لاعتدال سعره وتوفره.
- أوادي والهرنا: أصناف تزرع في إقليم هرر وتتميز بجودتها العالية وسرعة نموها.
يعد القات حالياً من أهم الصادرات الإثيوبية، حيث يدر مئات الملايين من الدولارات سنوياً، ويصدر رسمياً إلى دول مثل الصومال، جيبوتي، واليمن، ويهرب خفية إلى أوروبا وآسيا.
الصراع بين الاقتصاد والمجتمع
في إثيوبيا، يواجه المجتمع تحدياً كبيراً؛ فمن جهة، القات وسيلة عيش لآلاف المزارعين والبائعات (اللاتي يدرن معظم المحال الشعبية)، ومن جهة أخرى، يمثل خطراً اجتماعياً يهدد الشباب بالبطالة وضياع الوقت والمال.
طقوس التخزين والمزاج
سواء في اليمن أو إثيوبيا، يشترك المتعاطون في طقوس معينة:
- المضغ (التخزين): وضع الأوراق في جانب الفم لساعات طويلة.
- المشروبات المساعدة: تناول الشاي المنعنع، أو القهوة المحلاة، أو المياه الباردة لكسر مرارة الطعم.
- ساعة النشوة (المرغنة): الحالة التي تلي المضغ، حيث يشعر الشخص بالنشاط الفوري والتنبه، قبل أن تنتهي بمشاعر القلق والتوتر.
القات في ميزان الصحة والتربية
منظمة الصحة العالمية لم تتردد في إدراج القات ضمن المواد المخدرة منذ عام 1973، مؤكدة أنه يسبب إدماناً نفسياً عميقاً. وفي المجتمعات التي يتفشى فيها، يلاحظ ارتفاع معدلات الاضطرابات العقلية وفقدان الشهية، فضلاً عن التأثيرات المدمرة على الجهاز الهضمي والقلب.
الخطورة الحقيقية تكمن في تحول القات إلى “بوابة” لآفات أخرى؛ ففي اليمن وإثيوبيا على حد سواء، يرتبط القات بشكل وثيق بتعاطي التبغ والنرجيلة، مما يخلق بيئة غير صحية داخل المنازل تؤثر بشكل مباشر على الأطفال والترابط الأسري.
في النهاية
يبقى القات ظاهرة معقدة تجمع بين الإرث الثقافي العتيق والواقع الاقتصادي المأزوم. فبينما يراه البعض “فاكهة المؤمنين” التي تعين على العبادة في إثيوبيا، أو “ملاذ الفارين” من ويلات الحرب في اليمن، يراه الباحثون الاجتماعيون قنبلة موقوتة تستنزف طاقات الشباب وموارد الأسر. إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب حلولاً جذرية تبدأ بتوفير بدائل ثقافية ورياضية للشباب، وتحسين الأوضاع المعيشية التي تدفع الناس للبحث عن انتشاء زائف خلف أوراق خضراء مرّة المذاق.
هل يمكن للمجتمعات التي اعتمدت على القات لقرون أن تجد طريقاً للخلاص منه دون المساس باستقرارها الاقتصادي؟ الإجابة تكمن في مدى قدرة الدولة والمجتمع المدني على تقديم بدائل حقيقية تتجاوز مجرد التحذيرات الصحية.














