محمد صوفان: باحث حاسوبي يوظّف عِلم البيانات لفهم المجتمع

فريق التحرير5 سبتمبر 2026
محمد صوفان

مع تزايد اعتماد المجتمعات والمؤسسات على البيانات، يعمل الباحث الحاسوبي ومهندس البرمجيات محمد صوفان على استخدام الأساليب الحاسوبية لفهم أنماط لا تظهر دائمًا من خلال المؤشرات التقليدية أو الانطباعات العامة.

يركز صوفان في أبحاثه على تحليل كميات كبيرة من البيانات لاكتشاف التغيرات في سلوك الأفراد والمجتمعات والمؤسسات، ودراسة الفجوة بين ما يُفترض أنه يحدث وما تكشفه البيانات فعليًا.

ويجمع عمله بين البرمجة، وتحليل البيانات، ودراسة السلوك الرقمي والمؤشرات الاجتماعية، مع اهتمام خاص بكيفية استخدام هذه الأدوات في فهم احتياجات المجتمع، والأسواق، والمؤسسات، والجهات العامة.

من هندسة البرمجيات إلى البحث الحاسوبي وتحليل البيانات

يستفيد صوفان من خلفيته في هندسة البرمجيات في تطوير الأدوات والخطوات التقنية التي يحتاج إليها في أبحاثه، من جمع البيانات وتنظيفها إلى تصنيفها ومقارنتها واستخراج الأنماط منها.

لكن التكنولوجيا بالنسبة إليه ليست هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة للإجابة عن أسئلة مرتبطة بالواقع.

وتنطلق الكثير من مشاريعه من محاولة اختبار فكرة أو انطباع شائع بالبيانات: هل السلوك الفعلي للناس يتطابق مع الصورة الظاهرة؟ وهل تستطيع المؤشرات المتاحة كشف تغيرات اجتماعية أو اقتصادية قبل أن تصبح واضحة من خلال الإحصاءات التقليدية؟

كيف يستخدم محمد صوفان البيانات في أبحاثه؟

يعتمد محمد صوفان في أبحاثه على بناء مجموعات بيانات من مصادر رقمية مختلفة، ثم تحويلها إلى مؤشرات يمكن مقارنتها واختبارها بدل التعامل معها كأرقام منفصلة.

وتبدأ العملية عادة بتحديد سؤال يمكن قياسه، ثم جمع البيانات المناسبة له، سواء من محركات البحث، أو المنصات الرقمية، أو السجلات والخدمات العامة، أو قواعد البيانات المفتوحة. وبعد ذلك يعمل على تنظيف البيانات وتوحيدها وتصنيفها قبل البحث عن العلاقات والاختلافات والأنماط المتكررة داخلها.

وفي بعض مشروعاته، لا يعتمد صوفان على مصدر واحد، بل يقارن بين عدة مصادر لرؤية ما إذا كانت تشير إلى الاتجاه نفسه. فقد تكشف بيانات البحث عن تغير في اهتمامات الناس، بينما تقدم الأسعار أو حركة السكان أو استخدام الخدمات إشارات أخرى تساعد على فهم السياق بصورة أوسع.

كما يستخدم أدوات برمجية لبناء عمليات جمع وتحليل قابلة للتكرار، ويولي اهتمامًا بمراجعة النتائج والتحقق من الحالات غير الواضحة قبل الوصول إلى الاستنتاجات النهائية.

ويهدف هذا الأسلوب إلى تجاوز قراءة الأرقام بصورة منفصلة، ومحاولة فهم العلاقة بينها: ما الذي يتغير، وأين يحدث التغير، وهل تظهر الإشارة نفسها في أكثر من مصدر؟ بالنسبة إلى صوفان، تبدأ قيمة البيانات الحقيقية عندما يمكن تحويلها من سجلات متفرقة إلى صورة تساعد على تفسير ما يحدث في الواقع.

عِلم البيانات لفهم المجتمع والسلوك البشري

يمثل فهم المجتمع أحد المحاور الأساسية في أبحاث صوفان.

ويعتمد في ذلك على مصادر يمكن أن تكشف بصورة غير مباشرة عن اهتمامات الناس واحتياجاتهم، مثل سلوك البحث عبر الإنترنت، والتفاعل مع المنصات الرقمية، والبيانات المتعلقة بالخدمات أو الأسعار أو الحركة.

هذا النوع من التحليل قد يكشف، على سبيل المثال، اختلافًا بين القضايا الأكثر حضورًا في النقاش العام وبين ما يبحث عنه الناس فعليًا، أو بين التوقعات حول سلوك المستخدمين والأنماط التي تظهر عند دراسة البيانات على نطاق واسع.

ويرى صوفان أن أهمية هذه المؤشرات لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في قدرتها على تقديم صورة أكثر دقة عن كيفية تغير الاهتمامات والسلوك والضغوط التي يواجهها المجتمع.

أبحاث تبحث عن الأنماط خلف السلوك

تتناول دراسات صوفان عددًا من الأسئلة المتعلقة بالسلوك الرقمي والتفاعل مع المعلومات.

في أحد أبحاثه، درس العلاقة بين لغة عدم اليقين وطريقة تفاعل المستخدمين مع المنشورات على المنصات الرقمية، محاولًا فهم السبب الذي يجعل بعض أنواع المحتوى تدفع المستخدمين إلى الرد والمناقشة أكثر من غيرها.

كما استخدم في أبحاث أخرى بيانات البحث عبر الإنترنت لمقارنة ما يحظى بالاهتمام العام بما يبحث عنه الناس فعليًا، باعتبار أن سلوك البحث قد يوفر إشارة إضافية إلى الاهتمامات اليومية والضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

ويعكس هذا المسار اهتمامًا أوسع باستخدام البيانات السلوكية لفهم الأنماط التي قد يصعب التقاطها من خلال الدراسات التقليدية وحدها

وفي إحدى دراساته، قارن صوفان بين ما حظي بالتركيز في التغطية الدولية عن لبنان وبين ما كان المستخدمون داخل البلاد يبحثون عنه عبر الإنترنت خلال الفترة نفسها. وأظهرت المقارنة أن الاهتمام الرقمي لم يكن محصورًا في الحدث الأكثر حضورًا في الأخبار، بل امتد إلى قضايا مرتبطة بالاقتصاد، وتكاليف المعيشة، والهجرة، والظروف اليومية.

وبالنسبة إلى صوفان، تكمن أهمية هذا النوع من المقارنات في أن كل مصدر للبيانات يقدم جزءًا مختلفًا من الصورة. فالتغطية الإعلامية تعكس ما يُنشر، بينما يمكن لسلوك البحث أن يقدم مؤشرًا إضافيًا على ما يشغل الناس فعليًا. وعند الجمع بين أكثر من مصدر، يصبح من الممكن اختبار ما إذا كانت الصورة العامة تتطابق مع السلوك الذي تكشفه البيانات..

كيف تستفيد الشركات والمؤسسات من تحليل البيانات؟

يمكن للمنهج نفسه أن يمتد إلى الشركات والمنظمات والمؤسسات.

فالشركات تجمع بيانات عن العملاء، والمبيعات، والأسعار، واستخدام المنتجات والخدمات، ويمكن لتحليلها أن يكشف تغيرات في الطلب أو سلوك المستهلكين أو الفروق بين الأسواق والمناطق.

أما المؤسسات والمنظمات، فتمتلك بدورها بيانات عن البرامج والمستفيدين والخدمات والعمليات، وهي بيانات يمكن استخدامها لتحديد الفجوات، ومقارنة النتائج، واختبار ما إذا كانت المبادرات تحقق الأثر المتوقع.

وبهذا المعنى، لا يقتصر التحليل الحاسوبي على معرفة ما حدث، بل يمكن أن يساعد على فهم الأنماط التي تقف خلفه.

الحكومة الرقمية في لبنان: من رقمنة الخدمات إلى ربط البيانات

وفي أحد أحدث تحليلاته، تناول صوفان مسار التحول الرقمي في لبنان من زاوية تتجاوز تحويل الخدمات الحكومية إلى أنظمة إلكترونية.

وركز على مشكلة تشتت البيانات بين المؤسسات المختلفة، معتبرًا أن رقمنة السجلات والخدمات لا تحقق كامل قيمتها إذا بقيت البيانات معزولة داخل أنظمة لا تتواصل مع بعضها.

فالمدارس والمستشفيات والبلديات والمؤسسات العامة وشركات الاتصالات وغيرها تنتج باستمرار بيانات يمكن أن تحمل إشارات عن التغيرات التي تحدث داخل المجتمع.

وقد يظهر الضغط الاقتصادي، مثلًا، في الأسعار والبحث عبر الإنترنت والطلب على الخدمات في الوقت نفسه، بينما قد تنعكس حركة السكان في بيانات التنقل والإسكان والتسجيل المدرسي.

ويطرح صوفان هنا رؤية للحكومة الرقمية لا تعتمد فقط على تقديم الخدمات إلكترونيًا، بل على قدرة المؤسسات على ربط هذه الإشارات وتحليلها واستخدامها لفهم الواقع واتخاذ قرارات أكثر استنادًا إلى الأدلة.

نحو استخدام أوسع للبيانات

يرى محمد صوفان أن العديد من الأسئلة المرتبطة بالمجتمع والأسواق والخدمات والمؤسسات يمكن دراستها بصورة أدق عندما تصبح البيانات جزءًا من عملية فهم المشكلة منذ البداية.

ولا يعني ذلك أن البيانات تقدم تفسيرًا كاملًا للواقع، لكنها تستطيع اختبار الافتراضات، وكشف الفجوات، وإظهار أنماط قد تبقى غير واضحة عند الاعتماد على مصدر واحد أو مؤشر تقليدي.

ومن خلال أبحاثه، يعمل صوفان على الجمع بين التكنولوجيا والأسئلة الواقعية، وتحويل البيانات المتفرقة إلى معرفة يمكن أن تساعد الباحثين والشركات والمنظمات والجهات العامة على فهم التغيرات المحيطة بها بصورة أوضح.