الروائية منى العساسي: نكتب لنتحرر من ثقل الواقع الذي نحياه (حوار)

2

تعد الكاتبة منى العساسي من أبرز الروائيات الشابات التي تغلغلت في القراءة والأدب منذ صغرها، حيث نشأت في إحدى قرى محافظة الشرقية، وأحبت القراءة والكتابة، وتخرجت من قسم علم النفس كلية الآداب بجامعة الزقازيق، وتأثرت بشكل كبير بالكاتب العالمي ماركيز، والتي قدمت خلال السنوات الأخيرة 3 روايات وهم: رواية “نقش على خاصرة الياسمين” ورواية “ليالي جالهدنة” ورواية “جبل التيه”.

في رأيك يجب تيسير إجراءات النشر؟ أم يجب وضع قيود عليها؟

نحن أمام مشهدين من النشر أولهما متمثل في مجموعة المؤسسات التابعة للدولة مثل الهيئة العامة للكتاب وهيئة قصور الثقافة والمجلس الأعلى وأظنها خاضعة لرقابة وقيود من وجهة نظري يجب أن نتحرر منها كليا فالإبداع الذي يخضع للبتر والترويض وفقا للموروث الاجتماعي والديني مثلا أمر يتنافى مع فكرة الإبداع في حد ذاته كأن يرفض العمل بسبب مشهد أو مصطلح لغوي حسي يقتضيه سياق السرد أو رأي قد يتنافى مع رأي الجماعة.

فالإبداع في جزء أصيل منه ثورة على السائد وفي أجزاء أخرى نقد وربما زواج معه، بينما في الجانب الآخر هناك دور النشر الخاصة وهي أيضا درجات متعددة هناك الدور التي تتعامل مع الأمر كتجارة هي تنشر لمن يدفع بغض النظر عن جودة المنتج المقدم لها وربما لا تقوم بأي دور تجاه هذا المنتج سوى طباعة عدد محدود من النسخ، وهناك دور أيضا تتقاضى المال مقابل الطبع ولكنها تراعي جودة المنتج وتتبنى الترويج له وتسويقه بشكل جيد، وهناك دور النشر الكبيرة التي تتعامل مع الأسماء اللامعة بغض النظر عن المنتج، ربما كل هذه المنظومة بحاجة إلى إعادة البناء والتنظيم.

هل يمكنك أن تبوحي بأسرار من حياتك في عمل روائي؟

هناك فارق كبير جدا بين حياة الكاتب الشخصية وعوالمه الروائية فقدرة الكاتب تتجلى في توحده مع ما يخلقه من شخصيات جديدة في كل نص يكتبه، فكل نص روائي يحمل أسرار شخصية خلقها الكاتب وتماهى معها، وفي رأيي لن يستطيع المؤلف أن يكتب بصدق وتناغم مع شخصياته إذا انفصل عنها أو وضع حاجز نفسي بينه وبينها أو تبنى آراء أو أفكار مسبقة عنها.

ربما تجربة الكتابة الأولى نخوضها محملين بما يحمله وجداننا وعقولنا من خبرات وآراء وأفكار قد ينفرط بعض منها داخل النص دون أن ننتبه وحتى دون مراعاة للكثير من الأمور الخاصة بدقة الصنعة الروائية لكن إذا انتبه الكاتب لذلك فهو وحده صاحب القرار هل يترك ما كتبه كما هو أم يروضه فيضعه على لسان أحد شخصياته لتبوح به أم يتخلص منه نهائيا، الأمر مرهون بالكاتب وحده.

ما أبرز التحديات التي واجهت الكاتبة منى العساسي في بداية حياتها الأدبية؟

في الحقيقة لم يكن الأمر سهلا أبدا لقد واجهت الكثير من الصعوبات على المستويين الشخصي “العائلي” والعام “الوسط الثقافي” خسرت الكثير فالأمر كان أشبه بكابوس مزعج الكثير من الاعتراضات، الكثير من المخاوف، الكثير من العداوات غير المبررة، الكثير من اللغط والاتهامات والأحكام المسبقة التي لا أعرف حتى الآن سبب لها. لكن التحدي الأكبر والأهم كان ضد الاستسلام والإحباط، أن أستيقظ في الصباح التالي وأنا لازالت لدي رغبة لأفتح جهاز الكمبيوتر وأكتب مجددا كان هذا أكبر تحدي عليا أن أواجهه.

الكاتبة منى العساسي
الكاتبة منى العساسي

في رأيك هل تعتبر الكتابة تعبيرا عن الواقع أم هروبا منه ؟

هي دائما الإثنين معا نحن نكتب لنتحرر من ثقل الواقع الذي نحياه وفي نفس الوقت نكتب واقعا نحياه بالفعل حتى لو كنا نكتب خيالا فكل خيال هو واقع شخصية ما في مجتمع ما في زمن ما، والحقيقة أني من أنصار الخيال الذي يحمل في طياته روح الواقع وأزماته ،الخيال الذي يمتزج بارتباكات اللحظة وأزماتها ومع ذلك يبقى لكل جنس أدبي مذاقه ومساهمته التي تصل الإنسان بعوالمه المتعددة وواقعه المتنوع.

ما الرواية التي تعد بمثابة نقلة كبيرة في حياة الكاتبة منى العساسي؟

بالنسبة لي لا أستطيع أن أعتمد كلمة “نقلة” فلازلت في بداية الطريق وكل نص هو درجة في سلم يجب أن أصعده يجب أن أمر به لا علم أن هناك درجة أخرى، لكن كون نصيا ليالي الهدنة وجبل التيه وجدا صدى طيب لدى النقاد والقراء فهذا يدعمني بشكل كبير للمضي قدما.

رواية “جبل التيه” أخذت القارئ من الواقع إلى الخيال الممتزج بالخير والشر، هل أعددت لتلك النقلة أم أكملت كتابة الرواية دون الترتيب لذلك؟

كتبت رواية جبل التيه كهاوية، كل شيء كان يخرج بشكل تلقائي الواقع ممتزجا بالخيال بطريقة لم يتثنى لي قياسها، الأفكار كانت تسوق بعضها البعض، لكن بعد أن انتهيت من كتابة النص وأعدت قراءته كنت أشعر في كثير من المواضع أن الواقع أكثر خيالا من الخيال ذاته. و أنني ربما أكون أتخيل ما أعرفه أصلا، فكما لا يمككنا أن نضع للخيال ملامح ثابتة أو حدود.

الواقع أيضا لا يحمل صورة واحدة فللواقع وجوه كثيرة متغيرة تختلف باختلاف الشخوص والأمكنة والأزمنة “فنحن لا نخطو في نفس النهر مرتين” كما قال هرقليطس، فالعالم الواقعي بالنسبة لي متاهة تتغير كل لحظة لكي أن تتصوري أنكي تعيشين في متاهة بحجم كرة أرضية متحركة. تدور حول نفسها وحول نجم ملتهب بسرعة لا يدركها جسدك تتغير ملامحها كل جزء من الثانية بفعل عوامل لا سيطرة لك عليها كعوامل الطبيعة وبفعل جماعات بشرية عظمى تحكم العالم أليس هذا واقع مرعب أغرب من الخيال!

ما رأيك في الكتابة بالعامية ؟

اللغة هي أحد أدوات الإنسان التي أكتشفها والتي يتساوى فيها البشر جميعا على اختلاف لغاتهم ولهجاتهم، ففي ظني أن اللغة ليس لها مراتب، جوهر الأمر هو التعبير عن الإنسان في سياقاته الاجتماعية ضمن استراتيجية الكتابة التي يعتمدها الكاتب للتعبير عن عوالم نصه سواء اختار العامية أو الفصحى.

فاللغة هي أهم أداة لدى الكاتب وأكثر ما يجب أن يتقن استعماله، ذلك لأن اللغة مراوغة ومخادعة أكثر مما نتصور، لذا فالقضية ليست في كون الكاتب يكتب بالفصحى أو العامية، القضية هي كيف يستخدمها ويطوعها لتخدم نصه وتقول ما يعنيه ويحقق ما يرجوه منها فإن لم يتقن الكاتب استخدام لغته سيقول دائما ما لا يقصده، أما بالنسبة للغة في تجربتي الروائية فقد كتبت رواية جبل التية وليالي الهدنة بالفصحى لم أكن أنتبه لجماليات الاستخدام العضوي للهجة العامية خاصة في الحوار وذلك يرجع ربما للإفراط في قراءة الأدب المترجم، لكن عندما انتبهت لذلك بدأت في استخدامها في روايتي الجديدة وكذلك في المجموعة القصصية كمقبرة الأحلام وستان أحمر بل وصنعت لغة تفاهمية جديدة بين شخصيتين يعيشان في أحد دول الخليج أحدهما ناطق بالعربية والآخر ناطق بالأردية في جوري مانكي فكانت مزيج من اللهجة الخليجية والإنجليزية.

في الوقت الحالي يتم إصدار العديد من الروايات أسبوعيا وربما يوميا..ما رأيك في ذلك ؟هل تعد بمثابة خطوة إيجابية أم سلبية ؟

لكل شيء إيجابياته وسلبياته، على الرغم من الزخم الأدبي الذي يعج به المشهد هناك حلقة مفقودة، ثمة فجوة ما بين معايير جودة المنتج الأدبي والذوق العام الذي أحسبه نسبي جدا ولا يمكن قياسه فهو يخضع لذوق القارئ، هذا القارئ ليس واحد مفرد يمكن التيقن من رأيه فالقارئ هو كثير لا يمكن إحصاءه، فما يعجبني ربما لا يعجب غيري، وربما هذه أحد إيجابيات هذه الكثافة الإبداعية في المشهد الأدبي أنه يرضي أكبر عدد من الأذواق، وعلى كل حال لن يبقى سوى ما يستحق.

الروائية منى العساسي
الروائية منى العساسي

من الكاتب المفضل للروائية منى العساسي؟

أقرأ للجمي، في فترة سابقة كنت أقرأ كل ما يقع أمامي، قرأت لدستوفسكي وتشيخوف وكزانتزاكس وهيمنغواي وفوكنر وإيزابيلا الليندي واليف شيفاك وكارلس زافون ودان براون وبالطبع نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويعجبني أعمال الكثير من الكتاب المصريين المعاصرين منهم فتحي إمبابي وإبراهيم عبد المجيد وخيري شلبي وسلوى بكر وحمدي أبو جليل ولكن يبقي ماركيز هو قمة الهرم هو الكاتب العظيم.

2 تعليقات
  1. […] اجتماعا لمناقشة رواية “جبل التيه” للروائية منى العساسي بحضور العديد من الكتاب والنقاد وعلى رأسهم الدكتورة […]

  2. […] اجتماعا لمناقشة رواية “جبل التيه” للروائية منى العساسي بحضور العديد من الكتاب والنقاد وعلى رأسهم الكاتب […]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.