تعرف على قصة القهوجي العثماني واليًا على ليبيا

0

تقرير الباحث: عمر ابو الحسن

وقف عثمان الدرغوتلي في أحد أيام أغسطس القائظة من العام 1700 وسط المقهى الذي يملكه في سوق الترك، بمدينة طرابلس الليبية، يتشاجر مع زبائن رفضوا دفع حساب المشاريب التي تناولوها.

كان الدرغوتلي مرعب الهيئة، بنيانه ضخم، ووجهه غليظ الملامح، يتوسطه شارب هائل مبروم لأعلى، مع صوت خشن جدًا، وسواعد صلبة، عجز المتجمهرون في المقهى عن إبعادها عن رقاب الزبائن، والذين بدوا – رغم حقيقة محاولتهم التسرب من المقهى دون الدفع – مساكين أرسلهم حظهم العثر إلى هذا الوحش المتنكر في هيئة آدمية.

وبينما الأمر كذلك، إذا بجلبة عظيمة ترد من خارج المقهى، أجبرت الجميع، بما فيهم عثمان الدرغوتلي وصوته الهادر، على الصمت وعند المدخل ظهر اثنان في زي الانكشارية والسلاح الكامل، تراجع أمامهم الناس في خوف. وفي ممر ضيق، تحفه من اليمين ومن اليسار أجساد متلاصقة لأشخاص يفرون بنظرات عيونهم إلى الأرض، تقدم الثنائي بخطوات ثابتة إلى عثمان الدرغوتلي، ثم عندما وصلا إليه، أنزلا القلنسوات الضخمة التي تزين رأسيهما، ومالا في انحناءة خفيفة تعبر عن الاحترام، ثم قال واحد منهما: “السيد عثمان الدرغوتلي” لقد اختارك رؤساء الانكشارية دايا (حاكمًا) على طرابلس.

فغر الواقفون أفواههم دهشة، ودارت النظرات فيما بينهم للتأكد من حقيقة ما سمعوه أما صاحب المقهى عثمان، فبعد أن نالته صعقة المفاجأة مثل غيره، إلى حد أنه أفلت أخيرًا أولئك المتهربين من دفع ثمن المشاريب، الذين كان على وشك تحطيم أضلعهم، تراه وقد استعاد قوته، واتخذ في خفة هيئة الدايات الذين طالما أعجبته وقفتهم المعجبة مثل الطواويس وفي نبرة متأنقة، قال للجنديين الانكشاريين: “قبلت الحكومة، وليعيننا الله على جسيم أمورها” .

ثم نظر إلى الناس المتضاعفة دهشتها من حكمة الدرغوتلي الطارئة، وصرخ فيهم بقوة: “ادعوا للداي الجديد بالنصر” ، فقالوا في صوت المضطر لا القانع: “اللهم انصره.. اللهم آمين” .

 

قبل الحكاية

كانت ليبيا تتبع الدولة العثمانية اسمًا فحسب  في أواخر القرن الـ17 الميلادي، بعد أن سيطر على طرابلس الغرب مجموعة فوضوية من ضباط الانكشارية، لم تتوقف صراعاتهم بين بعضهم البعض على السلطة لدرجة استبدالهم الدايات أكثر من مرة في العام الواحد، على الرغم من حقيقة أن هؤلاء الأخيرين، كان يتم تعيينهم منذ البداية، من قبل الانكشارية أنفسهم.

ومنذ العام 1695، أي قبل تولي عثمان الدرغوتلي الولاية بسنوات قليلة، تدهورت الأوضاع السياسية في طرابلس بصورة غير مسبوقة، نتيجة هذه الصراعات التي لا تنتهي على السلطة بين الانكشارية ونتيجة الثورات المسلحة التي أشعلتها القبائل الليبية العربية ضد العثمانيين، رفضًا للضرائب المرهقة التي كانت تفرض على أبناء تلك القبائل بغير توقف.

رصد المؤرخ التركي عزيز سامح ألتر هذه الثورات باختصار في كتابه الأتراك العثمانيون في أفريقيا الشمالية.

يقول: “في سنة 1695، عين الدستاري محمد باشا أميرًا لأمراء طرابلس.. وفي نفس العام تمرد الناصر عامل فزان فأرسلت إلة العساكر بقيادة يوسف بك الذي فرق شمل جموعه وأخذه أسيرا وعاد به إلى طرابلس وعين رجلًا يدعى محمد عاملا بفزان” .

كما تابع: “وفي العام 1696، ثار أهل فزان ثانية ونصبوا أميرًا عليهم المدعو تميم بن جهيم، فتوجهت إليه العساكر وألجأوه إلى الفرار، إلا أنه صار يتجول في أنحاء البلاد ويقلق راحة الأهالي والحكومة.. ولما رؤي أن الناصر كان أوسع نفوذًا وأكثر أعوانًا، تقرر الإفراج عنه من السجن، وأوفد عاملًا على فزان شرط أن يكون مطيعًا للدولة وقد سادت السكينة على تلك الربوع”.

ولكن في سنة 1697، سار في أنحاء سرت رجل يدعى منصور بن خليفة، جمع حوله كثيرًا من الناس فتصادم معه يوسف بك في المكان المسمى أم الجن بين تاورغاء والهيشة إلا أنه لم يوفق في التنكيل بالعصاة ومع ذلك، فإن منصور لم يستطع التمركز هناك وانسحب إلى برقة فكتب محمد داي أمرًا إلى محمد بن حمودة عامل برقة بالقبض على منصور.

يقول عزيز سامح التر: “زحف عامل برقة بمحاربي قبيلتي البراغثة وأولاد علي على منصور وأجبره على الهرب مرة ثانية إلى سرت ولما تفرقت معظم القوات التي معه جمع شرذمة من قطاع الطرق وباشر أعمال السلب والنهب” .

كما تابع: “وفي العام 1699، جمع المدعو عبد الله بن عبد النبي الملقب بـ الحاجي لفيفًا من الأوباش، وأغار بهم على قرى زلتين وتاجوراء ونهبوها وقد شتت شملهم من قبل العساكر المبعوثة لمطاردتهم”.

وفي العام 1700 خرجت حملة بقيادة خليل بك لتوطيد الأمن في المناطق الغربية، ولما بلغت قرية شكشوك الكائنة بجبل نفوسة ظهر بين قوادها الخلاف فعادوا إلى طرابلس وعزلوا الداي محمد باشا.

 

بعد الحكاية

وبدلًا من أن ينصب الانكشارية واحدًا من قادتهم كما جرت العادة، توجهوا إلى عثمان الدرغوتلي صاحب المقهى في سوق الترك، والذي يبدو أنه كان جنديًا منهم في السابق، فنصبوه دايًا جديدًا على طرابلس الغرب.

يقول المؤرخ الليبي الطاهر الزاوي إن القهوجي عثمان الدرغوتلي كان معروفًا بـ”الفظاظة والغلظة والجفاء”.

وقد افتتح عهده بالاستبداد بالحكم، فلم يقبل أن يشاركه فيها أمير الأمراء محمد باشا أو نسيبه خليل باشا، وأمر بنفيهما إلى تونس. ورغم عدم معارضته من قبل الجند في تلك الخطوة، فإنه سرعان ما أظهر عجزًا عن القيام بأعباء الولاية، وكما يقول عزيز سامح التر: “لم يستطيع الدرغوتلي أن يعمل شيئًا مفيدًا ولا أن يدير شؤون الانكشارية وبعد ثلاثة شهور وعشرين يومًا، عزل ونصب محله الحاج مصطفى الغاليبولي”.

وإذا كنا لا نعرف مصير عثمان الدرغوتلي بعد تنحيته عن المنصب، فإن عدم الإشارة إلى قتله على يد الانكشارية، توحي بأنه عاد من جديد إلى مقهاه في سوق الترك، يصنع القهوة للزبائن، ويتشاجر مع من يتهرب منهم من دفع الحساب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.