يومٌ كشف كل شيء: من فضيحة تونس إلى مجد المغرب.. والعقلية التي تصنع الفشل

عبد الله سامي21 أكتوبر 2025
في يوم

في يومٍ واحد فقط.. انكشف كل شيء!
من تونس خرج صوت الظلم في ملعب التنس، ومن المغرب ارتفع صوت المجد في كأس العالم للشباب، وبينهما في القاهرة تصريحٌ يختصر حالنا كله!
مشهدٌ يُلخّص الفرق بين من يعمل في صمت، ومن يبرّر فشله بصوتٍ عالٍ… بين من يصنع التاريخ، ومن يعيش في وهم البطولات القديمة! يومٌ واحد كفيل بأن يُريك من نحن الآن.. وإلى أين نسير إن استمرّ هذا العبث الرياضي المتجذّر فينا!

صدفة انجاز المغرب مع فضيحة بعثة التنس

ويشاء ربك أن تتقاطع الأحداث في يومٍ واحد، ليُريك إلى أي مدى ابتعدنا.. ابتعدنا حتى أوشكنا أن نعيش في عالمٍ من العشوائية وحدنا! فها هو عمر عصر، بطل إفريقيا لتنس الطاولة خمس مرّات، يقف شامخًا يُمثّل مصر في بطولةٍ قارية بتونس، فإذا بزميله في المنتخب محمود أشرف — وهو نجل رئيس الاتحاد أشرف حلمي — يرفض مصافحته، وتتحوّل الأجواء إلى مشهدٍ مؤسف يليق ببلدٍ لم تُنصف موهبتها!
لم يكن الخلاف عابرًا، بل امتدّ حتى هدد عمر عصر بعدم استكمال المباراة أمام نيجيريا ما دام زميله جالسًا على مقاعد البدلاء، قبل أن يتدخّل الجهاز الفني لاحتواء الأزمة، ثم يخرج رئيس الاتحاد نفسه ليعلن فتح تحقيق، وكأننا لا نعلم أن ابنه أحد أطراف الواقعة!
كيف لبطلٍ رفع علم مصر فوق القارة أن يُهان بهذه الصورة؟
كيف لمنتخبٍ يُمثّل الوطن أن يذهب إلى بطولةٍ قارية من دون طبيب أو مدرب أحمال أو لياقة بدنية؟
وكيف يُكافأ الإهمال والواسطة بالسكوت بينما يُعاقَب الالتزام والاجتهاد؟
وفي الوقت الذي كانت فيه مصر تغرق في فوضى المحسوبيات، كانت المغرب تُحلّق عاليًا، متوَّجةً ببطولة كأس العالم للشباب في كرة القدم، بعملٍ منظّم وعدالةٍ في الاختيارات، وقيادةٍ تعرف قيمة الكفاءة لا القرابة.
ولكأن القدَر أراد أن يجعل من اليوم ذاته مرآةً صافية تُظهر الفرق بين من يعمل بضميرٍ، ومن يعيش على مجدٍ وراثيٍّ زائف!

 عندما يجتمع الفشل والتبرير في مصر

ثم زاد المشهد وضوحًا عندما خرج الكابتن أسامة نبيه، المدير الفني لمنتخب مصر للشباب في نفس البطولة التي توِّجت بها المغرب، ليبرّر الخروج المهين من دور المجموعات — بعد خسارتين وفوزٍ يتيم بثلاثية — بقوله:
“ما توفّقناش.. والسبب إنذار اتاخد مش فشل فني! عايزني أكسب اليابان ونيوزيلندا إزاي؟!”
وكأنه يتحدث عن البرازيل وإسبانيا لا عن منتخباتٍ شابة مثلنا تمامًا!
تبرير للفشل بكل راحة، وعدم إحساس بالمسؤولية، وكأن الخروج من البطولة قدر مكتوب لا يُسأل عنه أحد.
وذلك هو لبّ المشكلة… العقلية.
العقلية التي لا ترى التقصير فشلًا، بل “سوء توفيق”، ولا ترى المنافس قويًا لأنه اجتهد، بل لأنه “محظوظ”!
وهنا يتجلى الفرق الحقيقي بين من يتعلّم من الهزيمة، ومن يبرّرها.

مدرس صنع إنجاز المغرب وليس لاعب سابق

ثم يأتيك بعد كل هذا الإنسان السطحي، الفاشل، المتواطئ مع الفشل، الذي لا يرى أبعد من أنفه، ليقول لك:
“هل لعبت كرة؟! أتفهم أكثر من فلان؟!”
وذاك “فلان” قد قضى عشرين عامًا في الملاعب، لكنه سجّل بالكاد عشرين هدفًا، لأن الواسطة لا تصنع مجدًا، ومع ذلك يظن نفسه قد أغلق اللعبة وأحكمها!
ثم يخرج مشجعٌ ساذج، يردّد العبارة نفسها:
“هل لعبت كرة؟” — كأن الفهم والعقل والتحليل لا يكون إلا بمن ركل الكرة بقدمه، لا بمن استخدم عقله!
بهذه العقلية المريضة، نُسهم جميعًا في ترسيخ الفشل الكروي المصري، لأننا لا نُقدّر العلم ولا الفكر، بل نُقدّس التجربة ولو كانت فارغة!
أما انظر إلى مدرب المغرب للشباب — صانع الإنجاز وبطل العالم — رجل لم يلمس ملعبًا في حياته، كان معلمًا بسيطًا، ثم قرّر أن يدرس، ويجتهد، ويأخذ رخص التدريب، ويغوص في علم التحليل والأداء… فارتقى بعقله لا بقدمه، وبلغ القمّة دون أن يمرّ على مركز شباب!
هكذا تُصنع البطولات.. بالعلم لا بالصُدف، وبالفكر لا بالصوت العالي.
فكم من مارادونا صنع المجد لاعبًا وأهدره مدربًا، وكم من رضا عبدالعال لا يعرف قانون التسلل، ثم يتحدث عن “التحكيم الظالم” دون أن يُدرك لحظة لمس الكرة ولا موقع التسلل!
طول ما العقلية القديمة تُمسك زمام الرياضة، وطول ما المشجع السطحي يقول: “إنت ملعبتش كورة”،
فلن نرى في كرتنا إلا تكرار العَكّ والارتجال، ولن نخرج من عباءة السبعينيات، مهما تغيّرت الأسماء أو تبدّلت الشعارات.